محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
1026
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الأسرار قال الذين يحلّون البيع ويحرّمون الربا : إنّ العقدين متساويان من حيث الصورة عند العقل لكن قد اتّصل بأحدهما روح الأمر بإجازة الشرع وتحليله ، والثاني قد اتّصل به وسواس الرأي بإجازة الشيطان وتسويله . فمن جلس لعقد الربا وأكل الربا لا يقوم من مجلسه ذلك إلّا مسيس الشيطان مخبّل الرأي مخبّط العقل بله الذي يقوم يوم القيامة ، بل من ترك مناهج الشرع وسوّى ( 421 آ ) بين حلاله وحرامه صار ممسوس الشيطان مخبّط الرأي والعقل كالمصروع من الجنّ والمصاب في العقل ؛ إذ حكم بأنّ الحلال مثل الحرام والبيع مثل الربا ، والمتنازعان تنازع النفي والإثبات إن صدّقتهما جميعا فقد كذّبتهما جميعا ، وكذلك بالعكس ؛ وتجري هذه المسألة في كلّ من يحكم بأنّ الحلال مثل الحرام أو يقول بهواه : هذا حلال وهذا حرام ليفتري على اللّه الكذب ، فهما من باب واحد وكلّه من مسّ الشيطان وخبطه ؛ وقد يكون المسّ في الحسّ وقد يكون المسّ في العقل لا يظهر اليوم ويظهر غدا والعياذ باللّه . وسرّ آخر : أنّ البيع معاوضة في الشرع عن تراض منهما ، وكلّ عوض في مقابله معوّض وكلّ ثمن في مقابله مثمن ، كلّا في مقابلة كلّ ، وجزءا في مقابلة جزء ، والفضل ربا ؛ وكما أنّ الزيادة على قدر الاستعداد تخبّط عقل المتعلّم كذلك الزيادة على قدر المعاوضة تخبّط عقل آكل الزيادة . فالبيع الشرعي عوض ومعوّض ، كذلك الإرشاد والاسترشاد عوض ومعوّض ؛ والقول والسمع ثمن ومثمن ؛ فمن زاد أو نقص فقد خبط عقل المسترشد فيقوم كما يقوم من يتخبّطه الشيطان من المسّ ؛ والتخبيط إذا كان من المرشد فهو إضلال ، وإذا كان من المسترشد فهو ضلال ، وكلّ ضالّ فهو ممسوس الشيطان بالخبط ، ومن خاض لجّة المعاني لم يطمع في شطّ كما أنّ من تعلّى إلى ذورة الحقائق لم يخف من حطّ . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 276 ] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 ) النظم فكما لا مساواة بين البيع وبين الربا كذلك لا مماثلة بين الربا وبين الصدقات ؛ فإنّ اللّه يمحق الربا وإن كان بصورته زيادة ، ويربي الصدقات وإن كانت بصورتها نقصانا .